ابن ميثم البحراني
23
شرح نهج البلاغة
هؤلاء القوم الَّذين ودّ أنّهم كانوا له عوضا عن قومه هم بصفة الفوارس الَّذين أشار إليهم الشاعر في المبادرة إلى إجابة الداعي والاجتماع على دفع الضيم عنهم ونصرة حقّهم فلذلك تمنّاهم عوضا ، ومقصوده في جميع ذلك ذمّهم وتوبيخهم وتحقيرهم بتفضيل غيرهم عليهم تنفيرا لطباعهم عمّا هي عليه من التثاقل عن دعوته للذبّ عن دين اللَّه ، وباللَّه التوفيق والعصمة . 25 - ومن خطبة له عليه السّلام إِنَّ اللَّهَ بَعَثَ مُحَمَّداً ص نَذِيراً لِلْعَالَمِينَ - وأَمِيناً عَلَى التَّنْزِيلِ - وأَنْتُمْ مَعْشَرَ الْعَرَبِ عَلَى شَرِّ دِينٍ وفِي شَرِّ دَارٍ - مُنِيخُونَ بَيْنَ حِجَارَةٍ خُشْنٍ وحَيَّاتٍ صُمٍّ - تَشْرَبُونَ الْكَدِرَ وتَأْكُلُونَ الْجَشِبَ - وتَسْفِكُونَ دِمَاءَكُمْ وتَقْطَعُونَ أَرْحَامَكُمْ - الأَصْنَامُ فِيكُمْ مَنْصُوبَةٌ والآثَامُ بِكُمْ مَعْصُوبَةٌ أقول : الإناخة : المقام بالمكان . والحيّة الصمّاء : هي الَّتي لا تنزجر بالصوت كأنّها لا تسمع ، وربّما يراد بها الصلبة الشديدة . والجشب : هو الطعام الغليظ الخشن ، ويقال : هو الَّذي لا إدام معه ، ومعصوبة : مشدودة . واعلم أنّه عليه السّلام اقتصّ أمورا وقعت ليحسن مدحها وذمّها . فبدأ بذكر النبيّ صلى اللَّه عليه وآله وسلَّم وذكر بعض أسباب غاية البعثة فإنّه . لمّا كانت الغاية منها هو جذب الخلق عن دار الغرور إلى الواحد الحقّ وكان ذلك الجذب تارة بالنذارة وتارة بالبشارة . وذكر هنا النذارة ، وخصّها بالذكر لأنّها السبب الأقوى في الردع فإنّ عامّة الخلق وجمهورهم قلَّما يلتفتون إلى ما وعدوا به في الآخرة إذا قابلوا ذلك بلذّاتهم الحاضرة فإنّ تلك أمور غير متصوّرة لهم إلَّا بحسب الوصف الَّذي إنّما ينكشف لهم عن أمور محسوسة تشبه ما هم فيه أو أضعف عندهم . ثمّ إنّ نيلها مشروط بشرائط صعبة في الدنيا تكدّر